أحمد ياسوف

483

دراسات فنيه في القرآن الكريم

سبيل المثال يقتصر على الآية التي يفسرها ، ولا يصل بنا إلى النظام القرآني الكلي ، وهذا طبع النقد العربي القديم أيضا ، فهو جزئي ليس له أطر عامة ، ومع هذا نقول لا جديد عند المعاصرين إزاء ما بذل القدامى من جهد في هذا الشأن . ج - التوغّل الدلالي : ثمة فواصل قرآنية تحسبها النظرة السحطية زائدة على سياق المعنى ، وأنها أضيفت لأجل النسق الموسيقى ، وقد لفت الباحثون المعاصرون النظر إلى مثل هذه الفواصل ، وما تضيفه في النص وما تقدمه من قيم فكرية ونفسية وتصويرية ، وحجم فاعلية هذه الفواصل في التأثير وزيادة الإقناع . ولم تكن هذه السمة بعيدة عن تذوق الدارسين القدامى ، فقد سماها ابن أبي الإصبع إيغالا ، أي ثمة توغّل في المعنى يعني توغّلا في حنايا النفس وترسيخا في ذلك المتلقي ، فالنفس والفكر والتصوير هي المعايير في هذه الجمالية ومن شواهده قوله تعالى : وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [ النمل : 80 ] . وقد قال : « فإن قيل : فما معنى « مدبرين » ؟ وقد أغنى عنها قوله : « إذا ولوا » قلت : لا يعني عنها قوله : « ولّوا » فإن التولّي قد يكون بجانب دون جانب ، وبدليل قوله تعالى : أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [ الإسراء : 83 ] ، أراد تتميم المعنى بذكر تولّيهم في حال الخطاب ، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة ، فإن الأصمّ يفهم بالإشارة ما يفهمه السّميع بالعبارة ، ثم اعلم أن التولّي قد يكون بجانب من المتولّي ، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتولّ به » « 1 » . ومنه قوله عز وجل : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ

--> ( 1 ) تحرير التحبير ، ص / 234 .